نورالدين علي بن أحمد السمهودي

118

وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى ( ص )

في الأفق قتاما حتى ظن الظان أن الشمس والقمر كسفا إذ سلبا بهجة الإشراق في الآفاق ، ولولا كفاية الله كفتها لأكلت ما تقدم عليه من الحيوان والنبات والحجر ، انتهى . وذكر الجمال المطري ما يخالف بعض هذا ؛ فإنه قال : أخبرني علم الدين سنجر العزي من عتقاء الأمير عز الدين منيف بن شيحة صاحب المدينة قال : أرسلني مولاي الأمير عز الدين بعد ظهور النار بأيام ، ومعي شخص من العرب ، وقال لنا ونحن فارسان : اقربا من هذه النار ، وانظرا هل يقدر أحد على القرب منها ، فإن الناس يهابونها لعظمها ، فخرجت أنا وصاحبي إلى أن قربنا منها ؛ فلم نجد لها حرا ، فنزلت عن فرسي ، وسرت إلى أن وصلت إليها ، وهي تأكل الصخر والحجر ، فأخذت سهما من كنانتي ، ومددت به يدي إلى أن وصل النصل إليها فلم أجد لذلك ألما ولا حرا ، فعرق النصل ولم يحترق العود ، فأدرت السهم وأدخلت فيها الريش فاحترق الريش ولم يؤثر في العود . وذكر المطري قبل ذلك أنها كانت تأكل كل ما مرت عليه من جبل وحجر ، ولا تأكل الشجر ، قال : وظهر لي في معنى ذلك أنه لتحريم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم شجر المدينة ؛ فمنعت من أكل شجرها لوجوب طاعته صلّى اللّه عليه وسلّم على كل مخلوق . قلت : وذكر القسطلاني أن هذه النار لم تزل مارة على سبيلها حتى اتصلت بالحرة ووادي الشظاة ، وهي تسحق ما والاها ، وتذيب ما لاقاها من الشجر الأخضر والحصى من قوة اللظى ، وأن طرفها الشرقي أخذ بين الجبال فحالت دونه ثم وقفت ، وأن طرفها الشامي - وهو الذي يلي الحرم - اتصل بجبل يقال له وعيرة على قرب من شرقي جبل أحد ، ومضت في الشظاة الذي في طرفه وادي حمزة رضي الله عنه ، ثم استمرت حتى استقرت تجاه حرم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فطفئت ، قال : وأخبرني شخص أعتمد عليه أنه عاين حجرا ضخما من حجارة الحرة كان بعضه خارجا عن حد الحرم ، فعلقت بما خرج منه ، فلما وصلت إلى ما دخل منه في الحرم طفئت وخمدت ، انتهى . وهذا أولى بالاعتماد من كلام المطري ؛ لأن المطري لم يدرك هذه النار وإن أدرك من أدركها ، بخلاف القطب فإنه أدركها ، واعتنى بجمع أخبارها ، وأفردها بالتصنيف ، ولم يقف عليه المطري ، وهذا أبلغ في الإعجاز ، حيث لم تدخل هذه النار حرمه الشريف ؛ إذ هي للإنذار والتخويف وهو نبي الرحمة صلّى اللّه عليه وسلّم . ضوء النار وقد نقل أبو شامة عن مشاهدة كتاب القاضي سنان الحسيني أن سيل النار انحدر مع وادي الشظاة حتى حاذى جبل أحد ، وكادت النار تقارب حرة العريض وخاف الناس منها خوفا عظيما ، ثم سكن قتيرها الذي يلي المدينة ، وطفئت مما يلي العريض بقدرة الله